الشنقيطي

107

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ومن استدلالهم على أنها النار ، قوله تعالى : وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [ إبراهيم : 50 ] . وقيل الغاشية : أهل النار يغشونها أي يدخلونها ، فالغاشية كالدافة في حديث الأضاحي . وقال الطبري : والراجح عندي أن اللّه تعالى أطلق ليعم ، فيجب أن تطلق ليعم أيضا . والذي يظهر رجحانه واللّه تعالى أعلم : أنها في عموم القيامة وليس في خصوص النار ، فالنار من أهوال ودواهي القيامة ، وهو ما يشهد له القرآن في هذا السياق من عدة وجوه ، ومنها : أنه جاء بعدها قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ [ الغاشية : 2 ] ، ويوم أنسب للقيامة منه للنار . ومنها : التصريح بعد ذلك ، بأن من كانت تلك صفاتهم تصلى نارا حامية ، مما يدل على أن الغاشية شيء آخر سوى النار الحامية . ومنها : أن التعميم ليوم القيامة يشمل جميع الخلائق ، وهو الأنسب بالموقف ، ثم ينجي اللّه الذين اتقوا . وقد بين تعالى قسيم هذا الصنف ، مما يدل على أن الحديث المراد إلغاؤه ، إنما هو عن حالة عموم الموقف . قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ( 2 ) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ( 3 ) تَصْلى ناراً حامِيَةً ( 4 ) [ 2 - 4 ] الآيات . اتفقوا على أن يومئذ ، يعني يوم القيامة . وقال أبو حيان : والتنوين فيه تنوين عوض . وهو تنوين عوض عن جملة ، ولم تتقدم جملة تصلح أن يكون التنوين عوضا عنها ، ولكن لما تقدم لفظ الغاشية . وأل موصولة باسم الفاعل ، فتنحل للتي غشيت أي للداهية التي غشيت ، فالتنوين عوض من هذه الجملة التي انحل لفظ الغاشية إليها ، وإلى الموصول الذي هو التي ، وهذا مما يرجح ويؤيد ما قدمناه ، من أن الغاشية هي القيامة . وجوه يومئذ خاشعة ، بمعنى ذليلة .